مكتبتنا

الإسلام يقدر قيمة الوقت، ويتأكد لنا ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” رواه البخاري.

ويقول الشاعر: دقات قلب المرء قائلة له   إن الحياة دقائق وثوان

انطلاقا مما سبق سيقف العاقل متسائلا: كيف تمر ساعات أيامه المتوالية؟ هل يكون مغبونا في نعمتين عظيمتين لم يقدر قيمتهما؟ نعم…إن ذلك يحتاج وقفة قصيرة مع الذات تكون سببا في سلوك منهج يعود بالنفع والفائدة على كل شخص وقف عند هذا.

ولعل أهم ما يمكن أن يمضي الإنسان وقته فيه استجابةٌ شريفةٌ لأمر كان هو أول خطاب إلهي وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيه دعوة إلى القراءة والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإسلام: ” اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم” العلق 1 – 5

إن أكثر ما يحز في النفوس هو أن تغفل أمة “اقرأ” عن هذه الدعوة الربانية العظيمة، كيف لا؟ وهي أهم مؤشر حول أهمية القراءة وتضمنتها أول آية سماوية نزلت على نبي الرحمة.

إنه لشرف عظيم لنا – مكتبة دار الثقافة بالمسيلة-أن نحظى بهذه المساحة الصغيرة لنمرر من خلال الأسطر القليلة التي نكتبها فيها، رسالة هي امتداد لرسالة أخرى أعظم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملها إلينا. وإننا نحاول قدر الإمكان أن نغرس بذرة القراءة في عقول ونفوس من يصلهم صدى كلماتنا، لعلها تكون بذرة مثمرة في يوم من الأيام قبل فوات الأوان.

القراءة هي عين المعرفة، وغذاء العقل، إنها السبيل الأول لتوسيع المدارك، وتطوير المعلومات، وكسب الثقافة، والمحرض على الإبداع والابتكار، بل هي حجر الأساس في تقدم الأمم ورقي الشعوب، والأمة الواعية المتفوقة، هي الأمة القارئة.

والقراءة من أهم المهارات التي يجب على الإنسان التسلح بها، ومنحها جل ما يستطيع من الرعاية والاهتمام، لأنها رفيقة عمره، وصديقة دربه، وزاد عقله. وليس هناك أجمل من وصف أديب العربية الكبير الجاحظ للكتاب بقوله: “… والكتاب هو الذي إذا نظرت فيه، أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، وفخم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك،وعرفت به في شهر، مالا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، إنه خير أنيس وجليس.”

يقول عنها الأديب العربي عباس محمود العقاد واصفا إياها بالحياة الأخرى أو العمر الجديد: “كلا .. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب .. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني”

لا يختلف اثنان اليوم حول الكم الزمني الهام الذي تأخذه وسائط المعلومات المتعددة في عصرنا الحاضر، بتقنياتها المختلفة، وتأثيرها البالغ على ثقافات الأفراد والجماعات، وإسهامها الكبير في صرف الكثيرين عن الكتاب والمكتبات بصفة عامة. إن ما يصرفه شبابنا اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت عموما وقت كبير جدا، بحثا أو هدرا لوقت لو استغل قليلهُ فقط في جلسات قصيرة مع الكتب، لكانت الفائدة أجل وأعظم من عصارة أو حفنة أفكار وجديد يطرح تباعا في بحور الشبكة العنكبوتية، التي يعتبر التوهان في شعابها أهم ميزة سلبية فيها…جاء في مقولة صينية ” أنت لا تستطيع أن تفتح كتابا من الكتب، دون أن تتعلم منه شيئا”

نحن هنا لسن ضد جديد التكنولوجيا أو الأنترنت لكننا نحرص وننبه إلى ضرورة الاستخدام العقلاني لهذه الرقمية… مثيرين لفكرة التحرك سريعا ولا لغض الطرف حول هذا الأمر، والعمل على إبراز قيمة الكتاب واحتفاظه بخصائصه المتفردة من بين تلك الوسائط.

إننا من خلال ما سبق ذكره نسعى لتمرير دعوة للقراءة والعلم، لكل من حركت فيه هذه الكلمات شعورا بحق نفسه عليه، وحاجتها إلى السفر بعيدا في جولات لا محدودة لمختلف العلوم، التي تتشرف مكتبتنا “مكتبة دار الثقافة” كونها واحدة من مكتبات الوطن التي تضم بين جنباتها رصيدا علميا مختلفا اختلاف تلك العلوم واختلاف مستوى وميول كل واحد منكم. بدءا بأمهات الكتب والمجلدات وصولا إلى ما ترغبون أنتم فيه.

وهنا لا يفوتنا أن نذكر بالعناية الهامة والخاصة التي توليها إدارة دار الثقافة إلى مكتبتكم، وسعيها الرشيد إلى توفير كل ما من شأنه أن يخدم المكتبة ويخدمكم أنتم إيجابا في واقع الأمر.

إننا نتشرف حقاً بدعوتكم من هذا المنبر إلى القراءة أولاً وعموماً، ثم إلى مكتبتكم التي تسرها خدمتكم، في محاولة منا إلى خلق مجتمع مثقف وقارئ، مهذب السلوك، يرتقي أسلوبه بالقراءة، وتبرز قدرات أفراده الخلقية والفكرية، يستغل وقته  بما يعود عليه بالنفع والفائدة.